عبد الكريم الخطيب

266

التفسير القرآنى للقرآن

هكذا ينظر الإسلام إلى الطلاق . . إنه أمر مكروه ، ولكنه مع كراهيته قد يركبه المرء مضطرا ليسلم ، ولو بفقد عضو عزيز عليه من أعضائه ! يقول نبىّ الإسلام صلوات اللّه وسلامه عليه : « أبغض الحلال إلى اللّه الطلاق » فهو - مع أنه رخصة - بغيض كريه ، لا يقدم عليه المرء إلا مضطرا ، ولا يتناوله إلا مكرها ، شأنه في هذا شأن المحرمات التي أباحتها الشريعة في أحوال الاضطرار ، كالخمر ، والميتة والدم ، ولحم الخنزير ، وغير ذلك مما تتقذره النفس وتعافه - فإنه عند المخمصة ، وتعرض الإنسان للهلاك ، قد أبيح أكلها ، والأخذ منها بالقدر الذي يحفظ الحياة ، ويدفع التلف . . واللّه سبحانه وتعالى يقول : « فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » ذلك هو « الطلاق » في شريعة الإسلام ، دواء مرّ ، يطبّ به لداء موجع ، وطعام خبيث ، يدفع به جوع قاتل ! وإذا كان بعض الجاهلين والحمقى ، وذوى الجرأة على دين اللّه ، قد ترخّصوا في هذه الرخصة ، واستخفوا بأمر اللّه فيها ، فجاوزوا الحدود ، واستباحوا الحرام في غير اضطرار ، فليس ذلك بالذي يحسب على الإسلام ولا بالذي يشوّه من جلال أحكامه ، وينال من حكمة شريعته . . فالتشريع شئ ، والمشرّع له شئ آخر إذ ليس هناك من قوة تحجز الناس عن مخالفة الشرع ، ومجاوزة حدوده ! « وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ » ( 29 : الكهف ) إنّ أكثر الذين ينظرون إلى « الطلاق » وتعلوا صيحاتهم في وجهه ، لا ينظرون إليه في الشريعة التي حملته وحددت حدوده ، ورسمت معالمه ، وإنما ينظرون إلى من جهلوه ، أو تجاهلوه ، فعبثوا به ، واتخذوا دينهم لهوا